محمد الريشهري

21

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

زاجراً ! أن تؤذي أهله ، وتُشَرّد بحليلته ، وتسفك دماء أهل ملّته . ثمّ تركك دار الهجرة التي قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عنها : " إنّ المدينة لتنفي خبثها كما ينفي الكيرُ خبث الحديد " فلعمري لقد صحّ وعده ، وصدق قوله ، ولقد نفت خبثها ، وطردت عنها من ليس بأهل أن يستوطنها ، فأقمتَ بين المِصْرين ، وبعدت عن بركة الحرمين ، ورضيت بالكوفة بدلاً من المدينة ، وبمجاورة الخورْنق والحيرة عوضاً عن مجاورة خاتم النبوّة ، ومن قبل ذلك ما عبتَ خليفتَي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أيّام حياتهما ، فقعدت عنهما ، وألّبتَ عليهما ، وامتنعت من بيعتهما ، ورمت أمراً لم يرَك الله تعالى له أهلاً ، ورقِيت سُلِّماً وعراً وحاولت مقاماً دحضاً ، وادّعيت ما لم تجد عليه ناصراً ولعمري لو وَليتها حينئذ لما ازدادت إلاّ فساداً واضطراباً ، ولا أعقبت ولايتكها إلاّ انتشاراً وارتداداً ؛ لأنّك الشامخ بأنفه ، الذاهب بنفسه ، المستطيل على الناس بلسانه ويده ، وها أنا سائر إليك في جمع من المهاجرين والأنصار تحفّهم سيوف شاميّة ، ورماح قحطانيّة ، حتى يحاكموك إلى الله . فانظر لنفسك وللمسلمين ، وادفع إليَّ قتلة عثمان ؛ فإنّهم خاصّتك وخلصاؤك والمحدقون بك ، فإن أبيت إلاّ سلوك سبيل اللجاج والإصرار على الغيّ والضلال فاعلم أنّ هذه الآية إنّما نزلت فيك وفي أهل العراق معك : ( وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ) ( 1 ) ( 2 ) .

--> ( 1 ) النحل : 112 . ( 2 ) شرح نهج البلاغة : 17 / 251 ؛ بحار الأنوار : 33 / 89 / 402 .